الأربعاء، 16 فبراير 2011

Source of Energy

From Interview with Moroccon Feminist Author & Translator

Suzanne Rutba ٍ: What is the source of your tremendous energy?

Doha Boraki:  Not quite five feet tall, 120 something pounds, nearly blind in one eye, I’m on the frail side, but ferociously determined not to fall into the slothfulness peculiar to our women—not to  resemble one of those well upholstered objects we call oeiyalate [female creatures]. There’ll be plenty of time to rest when we’re dead.

الاثنين، 14 فبراير 2011

الحرية الآن

غناء تريسي جابمن
ترجمة كاظم العلي

يسرني أن أهدي ترجمة هذه الأغنية التي هي من تأليف و غناء المغنية الزنجية تريسي جابمن لجميع إخواني العراقيين آملا أن يتدبروا معانيها جيدا و يستشعروا الأحاسيس و المفردات الجميلة و أن لا يسمحوا أبدا بظهور هذا المعتوه الذي يولد كل يوم و الذي يظن ان بمقدوره ان يحكمنا الآن و مستقبلا.هذا الجاهل الذي لا يفهم سوى القتل و الحروب و لا يحب سماع سوى كلمات الزور  و  النفاق.فإذا أردنا أن ننعم بالحرية و الخير و السلام علينا من الآن أن نتصدى لمثل هذا المعتوه الجاهل سواء على مستوى محل العمل أو بالانتخابات المحلية و الوطنية. و جدير بالذكر أن المغنية قد أهدت هذه الأغنية للزعيم الأفريقي نيلسن مانديلا.
  
  
الحرية الآن
  
ألقوه في غياهب السجون
و أبقوه هناك
آملين أن يموت قريباً
و أن جسده و روحه ستذويان
و قريبا منهما عقله
  
و كل يوم يولد معتوه
شخص يظن انه يقدر ان يحكم
شخص يقول ان الغد ملكي
شخص يستيقظ  ذات صباح
ليجد ان أبواب السجون مفتحة و القيود مكسرة
و الفوضى تعم الشوارع
  
ليغني الجميع نحن أحرار أحرار أحرار
ليغني الجميع نحن أحرار أحرار أحرار
ليغني الجميع نحن أحرار أحرار أحرار
  
  
ألقوه في غياهب السجون
و أبقوه هناك
آملين أن تموت ذاكرته
و أن الناس سينسون كيف قادهم ذات مرة
و حارب من اجل أن تسود العدالة في حياتهم
  
لكنه في كل يوم  يولد إنسان
يكره ما لا يفهمه
و يظن ان القتل هو الجواب
و أن أفعاله هي مشيئة الله
  
و يظن انه حر حر حر
و يظن انه حر حر حر
و يظن انه حر حر حر
  
و قريبا سيحل اليوم
عندما يجد الأخيار طريقهم
و المظلومون يصبحون أحرارا
و يعيش الناس في سلام
  
حرروا  الرجل
و حرروا ضمائركم
و صححوا الأخطاء  التي اقترفتموها
فحتى المعتوهون لهم يومهم
  
لنكن جميعنا أحراراً
لنكن جميعنا أحراراً
لنكن جميعنا أحراراً

  
حرة  أجسادنا حرة عقولنا
حرة قلوبنا
و الحرية للجميع
و الحرية الآن
  
الحرية الآن
الحرية الآن
الحرية الآن
لنكن جميعنا أحراراً
لنكن جميعنا أحراراً
لنكن جميعنا أحراراً
09/07/2008
قراءات: 518

الخميس، 10 فبراير 2011

نغوغي وا ثيونغو: تحرير العقل من ربقة الاستعمار

ترجمة كاظم العلي

مقدمة عن المؤلف:
ولد الروائي الكيني نغوغي وا ثيونغو في 5 كانون الثاني 1938 في مدينة لمورو ، و تلقى تعليمه في أوغندا و انكلترا .يعتبر نغوغي وا ثيونغو واحداً من أكثر الكتاب المعاصرين أهمية في القارة الإفريقية . كتب وا ثيونغو رواياته الأولى "لا تبك يا طفل" (1964) و هي قصة عائلة تتورط في النضال من أجل استقلال كينيا ، و "النهر بين " (1965) باللغة الإنكليزية أما روايته "الشيطان على الصليب" (1982) فقد كتبها بلغته الأم الغيكويو. و من  رواياته الأخرى " حبة قمح  Grain of Wheat “ الصادرة في  1967 و التي ترجمها للعربية سلمان العقيدي عام 1987 و رواية " تويجات الدم  " الصادرة في 1977 و التي ترجمها للعربية سعدي يوسف عام 1982  و  رواية "ساحر الغراب Wizard of the Crow " الصادرة في 2004.و كان وا ثيونغو رئيس قسم الأدب في جامعة نايروبي حتى احتجزته السلطات الكينية من دون محاكمة في 1977. و يصف وا ثيونغو هذا الاحتجاز في كتابه " محتجز: يوميات كاتب سجين" (1981). و أثمر الاستنكار العالمي ضد احتجاز وا ثيونغو عن إطلاق سراحه. و الموضوع الحالي مجتزء من "تحرير العقل من ربقة الاستعمار: السياسات اللغوية في الأدب الأفريقي" (1986) و هو عمل يؤلف ، مثلما يقول الكاتب، "وداعي للغة الإنكليزية كوسيلة لنقل جميع كتاباتي"،  و فيما بعد كتب وا ثيونغو جميع رواياته و مسرحياته بلغة الغيكويو.و لقد كان وعي وا ثيونغو بحجم المعاناة الأفريقية حاضراً منذ فترة مبكرة إذ أعلن في مؤتمر كنسي لدول شرقي أفريقيا عقد في آذار 1970 بنيروبي عن تخليه عن المسيحية و عن أسمه المسيحي "جيمس" و قيامه بالتخلي عن الكتابة بلغة المستعمر الإنكليزية.

تحرير العقل من ربقة الاستعمار

ولدت في عائلة فلاحية مكونة من أب و أربع زوجات و حوالي ثمانية و عشرين طفلا. و كنت انتمي أيضا، مثلما كنا جميعا في تلك الأيام، لعائلة أوسع و اكبر و للمجتمع عموما.
كنا نتكلم بلغة الغيكويو حين نعمل في الحقول. و كنا نتكلم بالغيكويو في داخل البيت و خارجه. و استطيع أن أتذكر بصورة حية تلك المساءات التي نسمع فيها القصص بجانب موقد النار.و كان الكبار في المعظم هم من يقوم بقص الحكايات ، غير أن الجميع كان مهتما و مشتركا.و كنا نحن الأطفال نعيد القصص في اليوم اللاحق لأطفال آخرين يعملون في الحقول و يقطفون أزهار حشيشة الحمى و أوراق الشاي أو حبوب القهوة  لمالكي الحقول الأوربيين و الأفريقيين.
و كانت جميع القصص ، التي تكون فيها الشخصيات الرئيسة هي الحيوانات في أعظم الأحيان، تحكى بلغة الغيكويو.و كان الأرنب البري ، الضعيف و الممتلئ بالفطنة المبتكرة و البراعة في نفس الوقت، بطلنا. و كنا نتوحد مع الأرنب و هو يناضل ضد وحشية حيوانات مفترسة مثل الأسد و النمر و الضبع. و كانت انتصاراته هي انتصاراتنا، و تعلمنا أن الضعيف ظاهريا يمكن أن يفوق القوي حيلةً و دهاءً.و لقد تابعنا الحيوانات في نضالها ضد الطبيعة القاسية مثل الجفاف و المطر و الريح و هي مواجهة غالبا ما تجبرها على البحث عن أشكال من التعاون.  لكننا كنا مهتمين أيضا بصراعاتها فيما بينها ، و خصوصا بين الدببة و ضحاياها. و عكست هذه الصراعات الثنائية، ضد الطبيعة و ضد حيوانات أخرى، الصراعات الحقيقية في عالم بني الإنسان.
و لا يعني هذا اننا أهملنا القصص التي يكون فيها البشر هم الشخصيات الأساسية. فلقد كان هناك نوعان من الشخصيات في مثل هذه القصص المتمركزة على الإنسان: جنس البشر الحقيقيين الذين يملكون صفات الشجاعة و العطف و الرحمة و كراهية الشر و الاهتمام بالآخرين، و جنس الإنسان ذي الفمين الذي يأكل أخيه الإنسان و الذي صفاته الجشع و الأنانية و الفردية و كراهية كل ما هو صالح للمجتمع  المتعاون لأكبر حد. و كان التعاون بوصفه يمثل الخير المطلق في أي مجتمع فكرة ثابتة، فهو يمكن أن يوحد البشر مع الحيوانات ضد الغيلان و الحيوانات المفترسة، كما في قصة الحمامة التي بعد ان أطعمت زيت بذور الخروع أرسلت لجلب حداد يعمل بعيداً عن بيته و الذي هددت زوجته الحامل  هذه الغيلان ذات الفمين التي تأكل البشر.
و كان هناك قصاصون جيدون و سيئون. يستطيع القصاص الجيد أن يقص القصة ذاتها عدة مرات، و دائما ما تكون القصة طازجة لنا، نحن المستمعين. و يستطيع القصاص أو القصاصة أن تحكي قصة لشخص آخر و تجعلها أكثر حيوية و درامية. في الواقع، كانت الاختلافات تكمن في استعمال المفردات و الصور و تغيرات الأصوات من اجل إحداث نغمات مختلفة.
و على هذا الأساس تعلمنا أن نقدر الكلمات لمعانيها و ظلالها. و لم تك اللغة سلسلة من الكلمات، بل كان لها قوة إيحائية أيضا خارج المعنى الفوري و المفرداتي.و عززت تقديرنا للقوة الإيحائية السحرية للغة الألعاب التي كنا نمارسها مع الكلمات من خلال الاحجيات و الأمثال و نقل المقاطع ، أو من خلال الكلمات عديمة المعنى لكن المرتبة موسيقيا. و هكذا، فإننا تعلمنا موسيقى لغتنا قبل المضمون. و أعطتنا اللغة، من خلال الصور و الرموز، منظوراً للعالم، لكن كان لها جمالها الخاص. لقد كان البيت و الحقول مدرستنا التي تسبق المدرسة الابتدائية، و لكن ما هو أهم ، لأغراض هذه المناقشة، هو ان لغة تعليمنا المسائي و لغة مجتمعنا البسيط و المجتمع الأكبر و  لغة عملنا في الحقول لغة واحدة.

و من ثم التحقت بالمدرسة، مدرسة استعمارية، فانقطع هذا التناغم إذ لم تعد لغة تعليمي لغة ثقافتي. التحقت أولا بمدرسة كاماندورا التي تديرها إرسالية ، و من ثم التحقت بمدرسة أخرى تدعى مانغوو تديرها مجموعة من الوطنيين ترتبط بجمعية مدارس الغيكويو المستقلة و الكارنغا. كانت لغة تعليمي لا تزال الغيكويو .و كان أول احتفاء بي هو بسبب كتابتي لموضوع إنشائي بالغيكويو. و هكذا ، كان لا يزال هناك تناغم في سنواتي الأربع الأولى بين لغة تعليمي الرسمية و لغة مجتمع الليمورو ألفلاحي.
ولم يسيطر النظام الاستعماري على المدارس التي كان يديرها وطنيون أصليون و يضعها تحت إشراف مجالس التربية في المقاطعات التي يديرها انكليز إلا بعد إعلان حالة الطوارئ في كينيا في 1952. و أصبحت الانكليزية لغة تعليمي الرسمية. و في كينيا، أصبحت الانكليزية أكثر من مجرد لغة، بل أصبحت هي اللغة، و كان على جميع اللغات الأخرى ان تنحني لها باحترام.
و هكذا، كان من أكثر التجارب إذلالا هو الإمساك بتلميذ يتكلم الغيكويو في جوار المدرسة.و كان المجرم يعطى عقابا بدنياً: ثلاث إلى خمسة ضربات بالعصي على أرداف عارية، أو بجعله يحمل قطعة فولاذية حول رقبته مكتوب عليها "أنا غبي " أو "أنا حمار". و كان المجرمون في بعض الأحيان يغرمون غرامات مالية يصعب أن يكون لهم قبل بها. لكن  كيف كان المدرسون يمسكون بالمجرمين؟ في الأساس كان أحد التلاميذ يعطى زراً و كان يفترض به أن يعطيه لمن يُمسك متحدثا بلغته الأم. و كل من كان يمسك بالزر في نهاية اليوم عليه أن يشي بالذي أعطاه إياه و هكذا تأتي العملية بجميع المجرمين في ذلك اليوم.و هكذا يتحول الأطفال إلى صيادي جوائز و لا يتعلمون في هذه العملية سوى القيمة المربحة لكي تكون خائنا لجماعتك الأقرب منك.
و كانت وجهة النظر من الإنكليزية مغايرة تماما: فكل انجاز في الإنكليزية المحكية أو المكتوبة كان يكافئ بصورة كبيرة، فهناك جوائز و توقير و تصفيق. لقد كان الإنجاز باللغة الإنكليزية بطاقة الدخول إلى عوالم أرقى.و أصبحت الإنكليزية مقياس الذكاء و المقدرة في الفنون و العلوم و جميع فروع التعلم، و المحدد الرئيس لتطور الطفل في سلم التعليم الرسمي.
و مثلما تعرفون فإن النظام التعليمي الاستعماري علاوة على فصله العنصري للتلاميذ تحلى ببنية هرمية مكونة من قاعدة ابتدائية واسعة و وسط ثانوي ضيق و قمة جامعية أضيق. و كان الانتخاب من المرحلة الابتدائية للمرحلة الثانوية يتم عبر الامتحانات، و كانت تسمى في زمني بالامتحانات الابتدائية الأفريقية الكينية، التي لابد للتلميذ أن يجتاز فيها ست مواد تمتد من الرياضيات إلى دراسة الطبيعة و اللغة (الكـــــ)سواحيلية. و جميع الأسئلة كانت مكتوبة بالإنكليزية . و لا يستطيع أي واحد أن يجتاز الامتحانان إذا فشل في امتحان اللغة الانكليزية مهما كان أداؤه بارعا في المواد الأخرى.و اذكر صبيا كان في صفي في العام 1954 و كان متميزا في جميع المواد عدا الانكليزية التي فشل فيها فأفشلوه  في جميع المواد مما جعله يترك المدرسة ليعمل صبي تبديلات في شركة نقل.أما أنا الذي لم اجتز سوى اللغة الإنكليزية فقد حصلت على مقعد في مدرسة التحالف الثانوية، و هي واحدة من أكبر المعاهد نخبوية للأفارقة في كينيا. و كانت متطلبات الحصول على مقعد في الجامعة، كلية  ماكيرر الجامعة، في العموم متشابهة حيث لا يستطيع أي طالب أن يرتدي زي التخرج الأحمر ، مهما كان أداؤه لامعا في جميع المواد الأخرى ، ما لم يحصل على تفوق في الانكليزية ، و ليس مجرد درجة مستوف! و هكذا فإن المكان الأكثر مرغوبية في الهرم و في النظام كان متاحا فقط لمن كان يحمل بطاقة رصيد في اللغة الإنكليزية. لقد كانت الإنكليزية الوسيلة الرسمية و الصيغة السحرية للنخبوية الاستعمارية.
و كانت اللغة المهيمنة التي تعزز أيضا تلك الهيمنة تحدد التعليم الأدبي.و توقف الأدب الشفاهي باللغات الكينية. و الآن أقرأ في المدارس الابتدائية كل من دكنز و ستيفنسون مع رايدر هاغارد بأسلوب مبسط.  و أصبح الآن جم هوكنز و أوليفر توست و توم براون ، و ليس الأرنب البري و النمر و الأسد، رفاقي اليوميين في عالم الخيال.أما في المدرسة الثانوية فقد تنافس جورج برناردشو مع الكثير من رايدر هاغارد و جون باكن و ألن باتون و الكابتن دبليو ئي جونز. و في ماكيرر قرأت الأدب بالإنكليزية من جوسر إلى تي أس إليوت مع شيء من غرام غرين.
و هكذا كانت اللغة و الأدب يأخذاننا أبعد فأبعد من ذواتنا إلى ذوات أخرى ، و من عالمنا إلى عالم آخر.
فما الذي كان النظام الاستعماري يفعله لنا نحن ألأطفال الكينيين؟ و ما هي عواقب هذا القمع المنظم للغاتنا و الأدب التي تنقله من ناحية، و عواقب ترقية الإنكليزية و الأدب الذي تنقله من ناحية أخرى؟ و للإجابة عن تلك الأسئلة دعوني أولاً أتفحص علاقة اللغة بالتجربة الإنسانية و الثقافة الإنسانية و الإدراك البشري للواقع.
إن للغة، أية لغة، صفة مزدوجة: فهي تمثل وسيلة اتصال و ناقل للثقافة في آن واحد. خذوا الإنكليزية. إنها تنطق في بريطانيا و السويد و الدنمارك، لكنها ليست سوى وسيلة للتواصل بالنسبة للشعبين السويدي و الدنماركي مع غير الإسكندنافيين . إنها لا تنقل ثقافتيهما.أما بالنسبة للبريطانيين، و خصوصا الإنكليز، فالإنكليزية فضلاً عن كونها وسيلة تواصل لهم لا يمكن فصلها عن كونها ناقلة لثقافتهم و تاريخهم.أو خذوا السواحيلية في شرق أفريقيا و مركزها. إنها تستعمل بصورة واسعة كوسيلة تواصل بين العديد من الجنسيات، لكنها ليست ناقلة لثقافة و تاريخ العديد من هذه الجنسيات. مع ذلك، فإن السواحيلية  في أجزاء من كينيا و تنزانيا ، و خصوصا في زنجبار، تمثل بصورة متلازمة وسيلة للتواصل و ناقلة لثقافة أولئك البشر التي هي لغتهم الأم.
إن الثقافة تنقل أو تمنح صور العالم والواقع تلك من خلال اللغة المحكية و المكتوبة، هذا يعني من خلال لغة محددة.و بكلمات أخرى، أن القدرة على الكلام، القدرة على ترتيب الأصوات بطريقة تخلق التفاهم البشري بين البشر قدرة عمومية. هذه هي عمومية اللغة، إنها صفة مختصة ببني البشر. و هي تناظر عمومية الصراع ضد الطبيعة و عمومية الصراع بين بني البشر،  غير إن خصوصية الأصوات و الكلمات و تنسيق الكلمات  إلى عبارات و جمل و خصوصية الطريقة أو قوانين تنسيقها هي ما يميز لغة عن أخرى. و هكذا، فإن ثقافة معينة لا تنقل من خلال اللغة في عموميتها بل في خصوصيتها بوصفها لغة لمجتمع محدد و تاريخ محدد. إن الأدب المكتوب و الأدب الشفاهي هما الوسيلتان الرئيستان اللتان تنقل لغة محددة من خلالهما صور العالم المكتنفة في الثقافة التي تنقلها.
فاللغة بوصفها تواصلا و ثقافة هما إذن نتاج بعضهما الآخر.إن التواصل يخلق الثقافة، و الثقافة وسيلة للتواصل. اللغة تنقل الثقافة ، و الثقافة تنقل ، و خصوصاً من خلال الأدب الشفاهي و الأدب المكتوب، كامل مجموعة القيم التي نصبح من خلالها مدركين لأنفسنا و مكاننا في العالم. و الكيفية التي يدرك الناس بها أنفسهم تؤثر على الطريقة التي ينظرون بها إلى ثقافتهم و سياستهم و الإنتاج الاجتماعي للثروة و إلى مجمل العلاقة مع الطبيعة و الآخرين. فعلى هذا الأساس لا تنفصل اللغة عن ذواتنا كمجتمع من البشر له شكل و شخصية محددتين و تاريخ محدد و علاقة محددة بالعالم.
فما ألذي كان يلحقه بنا الفرض الاستعماري للغة أجنبية نحن الأطفال إذن؟
لقد كان الهدف الحقيقي للاستعمارية هو السيطرة على ثروة الشعب: ما ينتجونه، و كيف ينتجونه، و كيف يوزعونه. و بكلمات أخرى، كان الهدف هو السيطرة على الأفق الكلي للغة العالم الواقعي. لقد فرضت الأستعمارية سيطرتها على الانتاج الاجتماعي للثروة من خلال الاحتلال العسكري و الدكتاتورية السياسية اللاحقة ، غير إن مجال هيمنتها الأكثر أهمية هو الفضاء الذهني للمستعمرين آلا و هو السيطرة من خلال الثقافة ، و من خلال الكيفية التي يدرك الناس بها أنفسهم و علاقتهم بالعالم. إن السيطرة الاقتصادية و السياسية لا يمكن أن تكون كاملة أو مؤثرة أبدا من دون السيطرة الذهنية. و السيطرة على ثقافة مجتمع ما تعني السيطرة على وسائل تعريفه لذاته ضمن علاقته بالآخرين.
و بالنسبة للاستعمارية فإن هذا الأمر يشمل جانبين من العملية نفسها: التدمير أو الانتقاص المقصود لثقافة مجتمع ما بفنونه و رقصاته و أديانه و تاريخه و جغرافيته و تعليمه و أدبه الشفاهي و أدبه المكتوب ، و التنمية الواعية للغة المُستعمِر. لقد كانت هيمنة لغات الأمم المستعمرة على لغة أمة ما حيوية بالنسبة للعالم الذهني للمُستعمر.
خذوا اللغة بوصفها تواصلاً. إن فرض لغة أجنبية و قمع اللغة الأم نطقا و كتابة يحطم التناغم الموجود أصلاً بين الطفل الأفريقي و الجوانب الثلاثة للغة. و طالما أن اللغة الجديدة بوصفها وسيلة للتواصل هي نتاج و عاكس "للغة الفعلية للحياة" في مكان آخر فإنها ، سواء كانت منطوقة أم محكية، لا يمكن أبدا أن تعكس أو تحاكي الحياة الفعلية لذلك المجتمع بصورة مناسبة. و ربما يفسر هذا بصورة جزئية السبب في أن تبدو التكنولوجيا غريبة قليلا بالنسبة إلينا دوما، فهي نتاجهم لا نتاجنا. و ظلت الكلمة ( missile / صاروخ ) تحمل صوتا غريبا و بعيدا إلى أن تعلمت مؤخرا مكافئها بالغيكويو ( ngurukuhi ) و جعلتني أفهمها بشكل مختلف. لقد أصبح التعلم بالنسبة للطفل الاستعماري فعالية دماغية و ليست تجربة محسوسة عاطفيا.   
لكن طالما أن اللغة الجديدة المفروضة لا يمكن أبدا أن تحطم اللغات الأم بأشكالها المنطوقة، فإن مجال هيمنتها المؤثر هو الجانب الثالث للغة بوصفها تواصلا ألا وهو الجانب الكتابي. لقد كانت لغة تعليم الطفل الأفريقي الرسمية أجنبية، و لغة الكتب التي يقرؤها أجنبية، و لغة تفكيره أجنبية.و كان التفكير عنده يأخذ الشكل الواضح للغة أجنبية. و هكذا، فإن لغة تنشئة الطفل في المدرسة ، بل و لغته المحكية داخل بناية المدرسة، أضحت منفصلة عن لغته المحكية في البيت.و غالبا ما لم تك هناك أدنى علاقة بين عالم الطفل المكتوب ، الذي كان أيضا لغة تعليمه، و لغة بيئته المباشرة ضمن العائلة و المجتمع. و بالنسبة للطفل الأفريقي، فقد كانت الأوجه الثلاثة للغة تواصلاً منفصلة بشكل لا يمكن استعادته.و أنتج هذا الأمر انفصالاً في وعي ذلك الطفل عن محيطه الطبيعي و الاجتماعي، و الذي ربما سميناه بالتغريب الاستعماري. و أصبح التغريب معززا من خلال تدريس التاريخ و الجغرافية و الموسيقى و حيث كانت أوربا البرجوازية دوما مركز الكون.
و يصبح هذا الافتراق و الانفصال أو التغريب عن البيئة المباشرة أوضح عندما تنظر إلى اللغة الاستعمارية بوصفها ناقلا للثقافة.
و طالما أن الثقافة هي نتاج تاريخ امة يعكسها بدوره، أصبح الطفل الآن يُعرّض كلية إلى ثقافة هي نتاج عالم خارجي بالنسبة له. لقد جُعِلَ الطفل واقفا خارج نفسه لينظر إلى نفسه. إن "الإمساك بهم أطفالاً Catching Them Young   " هو عنوان كتاب عن العنصرية و العرق و الجنس و السياسة في أدب الأطفال لمؤلفه بوب دكسنBob Dixon  .  و كان هدف كتاب "الإمساك بهم أطفالاً" أكثر صدقاً بالنسبة للطفل الاستعماري. إن صور هذا العالم و مكانه فيه المغروسة في طفل تستغرق سنينا لكي تمحى، هذا لو كان بالإمكان محوها.
و طالما أن الثقافة لا تعكس العالم من خلال صور فقط،  بل إنها في الواقع و من خلال تلك الصور بالذات تكيف الطفل ليرى ذلك العالم بطريقة معينة ، فإن الطفل الاستعماري جُعِلَ أن يرى العالم و مكانه فيه كما هو مصور و معرف أو معكوس في ثقافة اللغة المفروضة.
و طالما أن تلك الصور تنقل في معظم الأحيان من خلال الأدب الشفاهي و الأدب المكتوب فهذا يعني أن الطفل الآن سيرى العالم فقط كما هو مصور في أدب اللغة التي يجبر على تبنيها. و من وجهة نظر التغريب، أي من خلال رؤية المرء لنفسه من خارج نفسه كما لو أن المرء كان شخصاً آخر، لم يعد يهم أن كان الأدب المستورد يحمل تراثا إنسانيا عظيما لما هو أفضل ما نراه لدى شيكسبير و غوتة و بلزاك و تولستوي و غوركي و برشت و شولوخوف و دكنز. لقد كان موقع هذه المرآة العظيمة للخيال بالضرورة هو أوربا و تاريخها و ثقافتها و كان بقية الكون يُرى من المركز.
لكن و بجلاء كان الوضع أسوأ عندما كان الطفل الاستعماري يعرض إلى صور عالمه كما تعكسها اللغات المكتوبة لمستعمريه. و حيث كانت لغاته الأم الخاصة به مرتبطة بذهنه المرن و السهل القولبة بالمكانة المتدنية و الإذلال و العقاب الجسدي و الذكاء و المقدرة البطيئتين جدا،  أو بالغباء المباشر و عدم المفهومية و البربرية فإن هذا يتعزز بفعل العالم الذي واجهه في أعمال عبقريات العنصرية مثل رايدر هاغارد أو نيكولاس مونسارات ،من دون ذكر  تصريحات بعض عمالقة المؤسسة الفكرية و السياسية الغربية  مثل هيوم ("إن الزنجي متدن بالفطرة بالنسبة للبيض...) [1]  أو ثوماس جيفرسن ("...السود...متدنين بالنسبة للبيض في هبتي الجسم و العقل...") [2] ، أو هيغل بصورته عن أفريقيا على انها ارض طفولة لا تزال مغطاة بعباءة الليل البهيم بقدر تعلق الأمر بنمو التاريخ الواعي .  إن عبارة هيغل على أنه لا يوجد هناك أي شيء متناغم مع الإنسانية يمكن أن نجده في الشخصية الأفريقية تمثل الصور العنصرية عن الأفارقة و أفريقيا كان الطفل الاستعماري ملزما بلقائها في أدب اللغات الاستعمارية [3]. و النتائج يمكن أن تكون كارثية.
و تنقل إلينا الكاتبة و الأستاذة الباحثة مايسير مغو  Micere Mugo  في بحثها المعنون "الأدب المكتوب و الصور السوداء" الذي ألقته في مؤتمر حول تدريس الأدب الأفريقي في المدارس و الذي انعقد في نايروبي في 1973 كيف أن قراءة وصف المرأة الإفريقية غاغول Gagool  في رواية رايدر هاغارد "مناجم الملك سليمان  King Solomon’s Mines  " جعلها لفترة طويلة تشعر برعب أبدي كلما واجهت نساء إفريقيات مسنات[4]  . و يصف سيدني بويتير   Sydney Poitier في سيرته المعنونة "هذه الحياة   This  Life"  كيف أنه ، نتيجة الأدب الذي قرأه، أصبح يربط أفريقيا بالأفاعي.و هكذا فإنه عند وصوله لأفريقيا و بعد أن أسكن في فندق حديث في مدينة حديثة لم يستطع أن ينام لأنه واصل البحث عن الأفاعي في كل مكان حتى أسفل سريره.لقد كان هذان الاثنان قادرين على أن يحددا بدقة أصول مخاوفهما، لكن بالنسبة لمعظم الآخرين فإن الصور السلبية تصبح مذوتة و تؤثر على خياراتهم الثقافية بل و السياسية في الحياة الاعتيادية.
*****
هامش المترجم:
ما نفعله في نظامنا التربوي و التعليمي بالعراق منذ مدة مثير للحيرة و الألم في آن واحد؟ فلقد قام العراق أسوة ببلدان عربية كثيرة بتعريب التعليم العالي في العراق و إبدال اللغة الإنكليزية باللغة العربية التي أصبحت لغة تأليف المناهج الدراسية و إلقاء المحاضرات الجامعية، لكننا بعد مدة في ثمانينات القرن العشرين فرضنا على جميع طلابنا الساعين للانخراط بالدراسات العليا شرط اجتياز امتحان الكفاءة باللغة الإنكليزية الذي أدى إلى كوارث فعلية ، منها أن  المتفوقين الأوائل على أقسامهم و كلياتهم لم يتدبروا أمر الحصول على مقعد الدراسات العليا بسبب ضعف كفاءتهم باللغة الإنكليزية بينما استطاع الأقل علمية من الطلبة أن يلتحق بالدراسات العليا لنجاحه بالكفاءة بطريقة أو بأخرى.و رغم تقديم العديد من التربويين سيلا وافرا من المقترحات العلمية لتجنيب أبناء الوطن هذه الكارثة العلمية إلا أن وزارة التعليم العالي و البحث العلمي (المركز...بدكتاتوريته البغيضة) أصمت أذنيها عن نداءات التربويين (الهامش الذي لا حول له و لا قوة). و بمناسبة إعادة فرض هذا الامتحان الجديد بصيغة (التوفل) أقترح جعله شرطا ملزما على الطلبة العراقيين الذين يبتعثون للدراسة خارج العراق و ليس داخله.
أما ما يحصل في مدارسنا بمستوياتها الابتدائية و المتوسطة و الإعدادية بداعي تحديث و تطوير المناهج العلمية فهو لا يقل كارثية عما يحصل في التعليم العالي، فقد أصبحت مناهج اللغة الإنكليزية في جميع المراحل الثلاث أكثر صعوبة و بما يفوق قدرات و إمكانات الطالب مرات و مرات، و في الدروس العلمية من أحياء و كيمياء و فيزياء و رياضيات أصبحت اللغة الأم هي الإنكليزية و العربية هي اللغة الأجنبية ، و يخامرك الشعور حين تقلب هذه الكتب وكأنها كتب مترجمة ، فالكتب المشار إليها تزخر بالمصطلحات الإنكليزية العلمية المتخصصة البالغة الصعوبة حتى على طالب متخصص في الإنكليزية، و حل المسائل في المواد أعلاه يكون بكتابة القوانين باللغة العربية و مقابلاتها بالإنكليزية و اختصاراتها بالإنكليزية و تطبيقات القوانين بالإنكليزية.فماذا يعني هذا؟ و إلى متى تستمر الأزمات التربوية ؟ و هل ثمة حل؟ نعم ، و هاأنذا أدعو إلى تأسيس مجلس أعلى للسياسات التربوية و التعليمية يأخذ على عاتقه معالجة هذه الأزمات التربوية التي يتعرض لها أبناؤنا و بناتنا الطلبة و تجنيبهم المآسي و الكوارث التي تلحق بهم أفدح الضرر .





[1]  مقتبس في:
Eric Williams, A History of the People of Trinidad and Tobago, London 1964, p. 32.
[2]  المصدر السابق نفسه.
[3]  يعطي هيغل في إشاراته إلى أفريقيا في مقدمة محاضراته عن فلسفة التاريخ تعبيرا و شرعية تاريخية و فلسفية و عقلانية لكل أسطورة أوربية عنصرية يمكن تخيلها عن أفريقيا، بل إن أفريقيا تحرم من جغرافيتها الخاصة بها حين لا تلتقي بالأسطورة. و هكذا فإن مصر ليست جزءا من أفريقيا ، بينما يكون شمال أفريقيا جزء ا من أوربا. و أفريقيا الفعلية هي البيت الخاص الوحوش النهمة و الأفاعي من كل نوع. و الأفريقي ليس جزءا من الإنسانية، و لا ترتقي به سوى العبودية لأوربا، و من المحتمل، للمراتب الدنيا من الإنسانية,إن العبودية جيدة للأفريقي. "العبودية بذاتها و لذاتها ظلم، لأن جوهر الإنسانية هو الحرية ، لكنها بالنسبة لهذا الرجل يجب أن تُنَضّج .و على هذا الأساس فإن الإلغاء التدريجي للعبودية أكثر حكمة و عدلا من الإلغاء المفاجئ و السريع"  (Hegel, The Philosophy of History, Dover Edition, New York, 1956, pp.91-99). فهيغل يكشف هنا عن نفسه بوضوح على أنه هتلر الفكر في القرن التاسع عشر.
[4]  البحث موجود في:
Akivaga and Gachukiah, The Teaching of African Literature in Schools, Kenya Literature Bureau.

السبت، 5 فبراير 2011

المترجمة حياة شرارة

إعداد
خالد حسين سلطان



الإهداء
الى كل عراقي وطني
له موقف حقيقي مناهض للاحتلال البغيض
لعراقنا الحبيب
أهدي جهدي المتواضع هذا

خالد حسين سلطان

المقدمة
في الأول من آب 1997 انتقلت الى جوار ربها الفقيدة د. حياة شرارة أستاذة الأدب الروسي في جامعة بغداد / كلية الآداب ( ومن ثم كلية اللغات ) في حادث انتحار مأساوي مع ابنتها الشابة مها، والذي كان صدمة شنيعة لكل من عرف الفقيدة او سمع عنها وقرأ لها وكذلك في الأوساط الأدبية والتدريسية وطلابها، وعلمت في حينها عن الوفاة من خلال اللافتة التي علقها طلابها في واجهة مجمع الكليات في باب المعظم، وأثارت تلك الحادثة الكثير من اللغط والتساؤلات ان كانت انتحار فعلا أم هنالك يد خفية للنظام الحاكم في ذلك، وعلى كل حال فالحصيلة كانت ان النظام كان وراء الانتحار سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبعد صدور رواية " إذا الأيام أغسقت " للفقيدة وبمقدمة رائعة بقلم السيدة بلقيس شرارة، أشارت السيدة بلقيس في تلك المقدمة وكتاباتها اللاحقة عن الفقيدة، ان الحادثة كانت انتحار وبدون أي تفاصيل حيث كتبت في الجزء الأخير من تلك المقدمة " .  .  . ولم تعد ترى بصيصا من النور أو الأمل. أحست أنها أمام منعطف الهاوية عندما فقدت الحياة مغزاها وهدفها، ولم يبق أمامها إلا الهرب والتخلص منها وإطفاء جذوتها. فقد وصلت الى الخطوة الأخيرة في مفترق الطريق الحاسم، الفاصل بين الحياة والموت، ووجدت راحة في إنهاء مسيرة الحياة والتخلص منها . " ومع هذا كانت بعض الكتابات التي نشرت حول الفقيدة وخصوصا بعد الاحتلال وسقوط النظام السابق تشير الى إنها كانت عملية تصفية من قبل أجهزة النظام الأمنية، فالبعض اعتبرها عملية إعدام وأدرج اسم الفقيدة وزوجها الطبيب محمد صالح سميسم ضمن قوائم الشهداء الذين أعدمهم النظام والآخر تساءل عن الذي أشعل النار في الفقيدة وابنتيها وهنالك من كتب عن استنشاقها لغاز سام. لذلك كان الأجدر بالسيدة بلقيس أن تخوض في بعض تفاصيل الحادث وخصـــــوصاً ان زينب الابنة الثانية للفقيدة قد نجت من الحادث
وبالتأكيد لديها معلومات دقيقة عن الحادث رغم قسوتها .
وعلى كل حال فان تلك النهاية المأساوية ليست بالغريبة في أوساط المبدعين والعلماء وغيرهم من ذوي النفوس البشرية السامية عند تعرضهم للاستبداد واقتناعهم بعدم قابليتهم تقديم شيء في مجال اختصاصهم ضمن الظروف المحيطة بهم، رغم تناقض تلك النهاية مع التشريعات السماوية. ويبدوا ان الفقيدة من خلال دراستها وأبحاثها في الأدب الروسي تأثرت بالنهاية المفجعة للشاعر والأديب الروسي ماياكوفسكي ( 1893 ــ 1930 ) الذي أطلق النار على قلبه وهو في ريعان شبابه وعطاءه تاركاً وصيته التي جاء فيها " الى الجميع ! أنا أموت, لا تتهموا أحداً، ودعكم من الأقاويل .   .  . " فنقشت تلك النهاية أثرها في ذاكرة حياة كورقة قد تحتاجها يوماً ما، وفعلا لجأت الى تلك الورقة لتعلن ثورتها الصامتة وتنهي  حياتها لتكون تلك النهاية صفعة في وجه الطاغية المستبد .      
تأثرت كثيراً عند قراءة تلك اللافتة المشئومة التي تعلن عن وفاة الفقيدة، وبعد الاحتلال قرأت روايتها " إذا الأيام أغسقت " وتعاطفت مع أحداثها ومعاناة الفقيدة، لذلك أخذت من عنوانها لازمة لي أكررها مع كل ضائقة أمر بها وما أكثرها في زمن الاحتلال البغيض وما رافقه من أحداث وانحرافات غير متوقعة، حتى أخذ أطفالي بسؤالي عن معنى هذا القول " إذا الأيام أغسقت " فوضحته لهم وتكلمت عن الفقيدة وزوجها وابنتيها وما حصل لهم على يد النظام السابق .    
لم التقي بالفقيدة وأنا من جيل طلابها بل كانت هي وزوجها المرحوم محمد صالح سميسم أصدقاء ورفاق لوالدي المرحوم حسين سلطان، وكان الطبيب محمد سميسم طبيب العائلة وأصدقاءها وأقاربها يقدم لهم المشورة والمساعدة في الحالات المرضية سواء في اختصاصه او غير ذلك وخصوصاً خلال فترة عمله في مستشفى الطوارئ في بغداد حيث كنت أحد مراجعيه، وفاءاً لتلك الصـــــــداقة والنبل الإنساني الذي تحمله
الفقيدة وزوجها والإهمال المقصود من المؤسسات الأكاديمية التي عملت فيها وكذلك رفاقها في فترة عملها الحزبي، عملت على جمع ما أحصل عليه من كتابات ومقالات عن الفقيدة ودورها الأدبي والسياسي على أمل نشره كملحق في احدي المجلات الأدبية أو على شكل كتاب مستقل ليكون مرجعاً متواضعاً للمهتمين وبالتأكيد انه لا يحوي إلا جزء مما كتب عن الفقيدة، ولكن هذا ما تمكنت عليه ضمن ظروف الاحتلال البغيض .
عذراً لكل من نشرت مساهمته في كتابنا هذا دون الحصول على موافقته وشفيعي في هذا الاعتذار إننا نعمل في نفس الاتجاه ألا وهو إنصاف إنسانة مبدعة ظلمت في حياتها وبعد مماتها، وخصوصاً كتابات السيدة بلقيس شرارة حيث لم أجد أروع من  السيرة التي كتبتها عن الفقيدة كمقدمة لروايتها " إذا الأيام أغسقت ". لم يصل الى العراق إلا نسخ معدودة من تلك الرواية خلال العهد المباد بالإضافة الى بعض النسخ التي تسربت للقراء بسرية وحذر تام ضمن ما يسمى بثقافة الاستنساخ الشائعة في شارع المتنبي، ومع هذا لا تتوفر تلك الرواية الآن في المكتبات ولا يمكن الحصول عليها بيسر لذلك أدرجت مقدمتها الرائعة كسيرة للفقيدة حياة شرارة وهي في الحقيقة تمثل موجزاً سياسياً وأدبياً لتاريخ العراق الحديث .
ختاماً أتمنى ان أكون وفقت في إنصاف إنسانة ومناضلة ومبدعة
 المجد والخلود للفقيدة حياة شرارة
خالد حسين سلطان
 آذار  2009
سيرة حياة الفقيدة " حياة شرارة "
بقلم : بلقيس شرارة*
مدينة النجف، مدينة غريبة لا تشبه مدن العالم. ربما لا يوجد على شاكلتها إلا مدينة (( بناريس )) في الهند، التي تعيش وتحيا من الأموات.
فالنجف مدينتان، مدينة الموتى ومدينة الأحياء، ويتلاشى الفاصل بينهما أحياناً، ويصبح متشابكاً ومتلاحماً. فمدينة الموتى لا تخلو من الأحياء القادمين من مدينة الأحياء لاستمرار طقوس الدفن. إذ تأتي اليها جنائز الموتى من كل حَدَبٍ وصوبٍ في العالم الإسلامي، وتتعالى الأصوات التي يشوبها الألم والأسى على فقدان الأقرباء والأعزاء، وتضفي أشباح الموتى عليها جواً من الهلع المكبوت والسكينة القدرية.
ومدينة الأحياء لا تخلو من جنائز الموتى التي تقام لها الشعائر في جامع الامام على ليل نهار، وتتقاطر الجنائز صفاً صفاً مرفوعة على أكتاف الأحياء في صحن الجامع بانتظار إقامة الصلاة عليها. فتماس الأحياء والموتى متواصل، حيث تمتزج صلاة الجنازة بأصوات الصبية وضجيجهم، يلعبون في زاوية صحن الجامع الواسع، وبأحاديث النسوة المتلفعات بعباءاتهن حول سماور الشاي. والجامع هو المنفذ والمتنفس الوحيد للصبية والنساء الهاربات من عزلة الدار القاتمة وأزقة المدينة الملتوية المظلمة التي لا ترى أشعة الشمس.
ومدينة الأحياء ملتفة بهالة أسطورية، فهي مطمح أنظار المسلمين من الشيعة، تعج أروقة جوامعها التاريخية بالطلبة القادمين من جنوب لبنان وإيران والهند لانتهال العلوم العربية والإسلامية، يستمعون إليها على شكل حلقات دراسية تحت إرشاد (( علمائها الدينيين )) .وبالرغم من الجو الديني المرادف لمدينة النجف ، هنالك جو آخر ازدهرت فيه نهضة ثقافية واسعة، إذ صدرت عدة صحف و مجلات كان لها دور مهم في الدعوة للإصـــــــــلاح الاجتماعي، كـ (( الهاتف ))و(( الحضارة )) و(( الغري )) و(( البيان ))، وبرز فيها كتاب وشعراء أغنوا تراث العراق الأدبي مثل محمد مهدي الجواهري وعلي الشرقي وجعفر الخليلي وسعد صالح، ومن الجالية اللبنانية ظهر حسين مروة ومحمد شرارة .
وفي هذا الجو الغريب الذي يكتنف المدينة ولدت حياة عام 1935 في حي المدينة القديم .
مّرت والدتي بمعاناة شديدة، عندما ولدت حياة بعد بنتين، وجاء أهل النجف لتعزية والدتي بولادة بنت ثالثة. كان أهل النجف يـــــــعتبرونها (( ثالثة الأثافي )) كناية عن المصائب، وانزعج والدي جداً من زيارات الناس وكلامهم، مما دعاه الى قضاء معظم وقته خارج الدار لتجنب رؤيتهم .
كانت نظرة المجتمع التقليدية للأنثى عندما ولدت حياة، نظرة غير محترمة، وغير مساوية للذكر. ولم تفتأ تلك المجتمعات تتدخل في الأمور الخاصة والشخصية للفرد كأن تدخلها حق مطلق من حقوقها. فتوالت الاقتراحات من كل جانب بتزويج والدي امرأة ثانية تلد له ولداً، وحُمّلت والدتي المسؤولية عن ولادة بنت ثالثة ولم تقع أية مسؤولية على الأب، للجهل المطبق بـ (( بايولوجية الإنجاب )) .وكتب والدنا، محمد شرارة، مقالة في (( الهاتف )) بعنوان (( سهيل ام خلاف آخر )) يدور حول هذا الموضوع، وذكرت حياة رسالة لها عن ذلك عام 1979 :
((يقول أن مريم استُقبلت بالبرود لأنها بنت رغم أنها أول طفل لدينا، أما بلقيس فلم تستقبل بالبرود رغم أنها الثانية وكان الأحرى ان يخلق ولادة طفلة ثانية مثل هذا الموقف. أما أنا فكنت هادئة صامتة في طبعي بعكس بلقيس وكما لو كنت اعرف عدم الرغبة بمجيئي، وكانوا يسموني ( ثالثة الأثافي))).
ترك والدي النجف بعد ولادة حياة بعام، والتــــــــــحق بثانوية الناصرية كمدرس للغة العربية، وشعر (( أن الحياة الجديدة مضنية في جانبها العملي والروحي، تستنزف معظم وقته، وشعر بالغربة والنفور من نظرة المعلمين السطحية ))1.
سافرنا ذلك الصيف الى لبنان. وقضينا عاماً كاملاً مع والدتي، حيث ولدت ولداً، فتعالت التغاريد ووزّعت علب الحلوى، وانهالت التهاني بالطفل الجديد على والدي من جميع أعضاء الأسرتين، آل الزين وآل شرارة، كأن والدي هو المسؤول الوحيد عن مجيء هذا المولود، واجتمع أعضاء أسرة شرارة نساءً ورجالاً، قاضين سهرتهم في البحث عن إيجاد أسم لائق للمولود الجديد، واستعانوا بالقواميس العربية، وبعد أسبوعين من البحث عن أسم يليق بمنزلة المولود الجديد، اختلفوا في تسميته : أحدهم يريد عدنان وآخر قحطان، وسرت النشوة والفرح عندما وافق الجميع على اقتراح جدي في تسميته إبراهيم، وتخلص والدي ووالدتي من التســــمية الشائنة التي لصقت بهما (( أبو البنات، وأم البنات )). ما هو شعور وردود فعل البنات الصغيرات تجاه هذا الاهتمام بالمولود الجديد وبالأخص الصغيرة حياة؟ إن أهمية الذكر وتعظيمه مشكلة اجتماعية، جابهتها المجتمعات وآمنت بها منذ ظهور الزراعة، فنشأ تفضيل الذكر على الأنثى لأنه يؤمن باستمرار اسم العائلة واستيراث الأرض، ولا زالت الأنثى تعاني من وطأة هذا الوضع .
ولكن والدي كان يؤمن بالمساواة التامة بين البنين والبنات، ولم يدع مجالاً لسيطرة عقول مؤمنة بمفاهيم قروسطية، من التدخل في توجيه أبنائه وبناته وتربيتهم .
قبل عودتنا الى العراق بأسابيع، أصيبت حياة بمرض التيفوئيد، واضطرت والدتي لتركها في لبنان مع جدتي .
برزت أمامي عيناها الواسعتان، بنظرات مملوءة بالتوسل بوالدتها، وكأنها تقول : ماما لا تتركيني وتذهـــبين بدوني. لم تكن تستطيع التعبير بالكلام، فلم تبلغ بعد العامين من العمر، عزلت في غرفة لا يقترب منها أحد إلا والدتي، والآن ستتركها في هذه الغرفة وحدها، ظلت عيناها الواسعتان الغائرتان من شدة المرض، تلاحقنا ونحن نتجه نحو السيارة .
مر عامان ولم يتذكر أحد منا حياة غير والدتي، التي كانت تغرورق عيناها بالدموع عندما تتكلم عنها. وعندما عدنا الى لبنان، لم تتعرف حياة على العائلة، ونسيت حتى والدتها، وعندما حاولت والدتي تقبيلها أسرعت وتمسكت برداء جدتي التي أصبحت لها الأم والأب والأخت .
تغيرت ملامح حياة عما تركناها منذ عامين، ببريق عينيها الواسعتين، وشعرها الطويل الكستنائي اللون، وحمرة الصحة التي كست وجنتيها، وكانت طليقة الكلام باللهجة اللبنانية .
عادت معنا بعد ان قضينا الصيف في ربوع لبنان، والتحقت بالروضة بمدينة الحلة. لم تكن تحب الذهاب الى الروضة، فقد رفضت الذهاب إليها مرات عديدة. كانت تعيد نفس الجملة : الأطفال لا يتكلمون اللهجة التي تتكلمها، وتصّر عليهم أن يتكلموا لهجتها .
وأظهرت حياة موهبة أدبية منذ نعومة أظفارها، وأحبت الشعر الحديث وحفظته عن ظهر قلب، وكان لوالدي أثر كبير في ذلك. إذ كان يتلو الشعر ويترنم به، وأصبح ذلك جزءاً من حياتنا اليومية، ورسخ في ذاكرتنا ما كان يترنم به من قصائد. وبالإضافة الى هذا كانت أحاديثه الاعتيادية معنا باللغة الفصحى مما أغنى استيعابنا للغة العربية .
نشأت حياة وترعرعت في هذا الجو الأدبي، وأظهرت موهبة خاصة عندما كانت تقارع والدي بحفظها دواوين شعر كاملة أثناء المساجلة الشعرية التي كانت تشترك بها العائلة .
عندما انتقلنا الى بغداد في منتصف الأربعينات، أصبح بيتنا منتدى وملتقى لكثير من الشعراء والأدباء والمفكرين، وكان يجمعهم في تلك اللقاءات حبهم للأدب والشعر، بالرغم من التباين والاخــتلاف في آرائهم  السياسية. واتخذت تلك اللقاءات طابعاً أسبوعياً .
كانت حياة تجلس دائماً في زاوية من غرفة الضيوف وبين يديها الصغيرتين دفتر تسجّل فيه ما تستمع اليه في تلك اللقاءات الشعرية من قصائد جديدة، ولم نكن ندري أن تلك اللقاءات كانت تمثل بداية (نشأة الشعر الحر). كان الجدل يدور حول تجديد الشعر وجعله حراً بلا قافية. كان الشعراء يقرأون آخر ما نظموه من القصائد، وكانت تلك اللقاءات الأسبوعية هي البذرة الأولى في توجيه حياة أدبياً وسياسياً .
   كان بدر شاكر السباب ولميعة عباس عمارة من المواظبين أسبوعياً على تلك اللقاءات. وشارك بتلك اللقاءات محمد مهدي الجواهري وحسين مروة ونازك الملائكة وأكرم الوتري وبلند الحيدري، ومحسن الأمين. كانت نازك تزورنا معظم الوقت بصحبة والدها صادق الملائكة وأحياناً مع أخيها نزار .
كنا نسكن حي سبع قصور، وكانت دارنا مطلة على نهر دجلة، تحيطها حديقة واسعة، بأشجار قديمة باسقة، وكان المشي على شاطئ دجلة صيفاً من وسائل اللهو والمتعة، فنذرع الشارع رواحاً ومجيئاً، بخطى وئيدة، نستمع خلالها الى الأحاديث المتنوعة الشيقة التي لا تقتصر على الأدب والشعر، وإنما تشتمل على أحداث الساعة وما كان يدور في البلد من مشاكل اجتماعية وسياسية .
وقد أثر علينا نحن البنات بصورة خاصة كل من بدر ولميعة ونازك أكثر من الآخرين، لمعرفتنا بهم عن قرب .كان بدر ثائراً على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وبالرغم من انتمائه الى عائلة ميسورة، قرر تركها عندما أصبح عضواً بالحزب الشيوعي. وتجلت تلك النزعة الثورية في بعض القصائد التي نظمها في تـلك الفترة. كان نحيل الجسد، أسمر اللون، له أذنان كبيرتان، بارزتان أكثر عن المألوف، مع أنف كبير، وعينين صغيرتين، وشفتين بارزتين، لنتوء في أسنانه. فليس هنالك أي شيئ جميل في محياه. كان ذا حـــــــس مرهف،
يتنازعه القلق الدائم، يحب ويعشق كل ما هو جميل حوله. فالطبيعة الجميلة والمرأة الحسناء، كان لهما دور كبير، وقد عانى بدر من الإحباط المتواصل من المرأة. وكثيراً ما كان يقع في غرام امرأة حالماً بتعرّف عليها، ولكم نظم القصائد بمثل هاتيك النساء، وكم ذمهن بقصائد أخرى عندما لا يجد استجابة منهن. وكان خجولاً الى درجة مفرطة .
إن معرفته وإلمامه الواسع بالأدب العربي والانكليزي، ميّزه عن شعراء عصره، الذين لا يملكون في  معظمهم هذه المعرفة، لذا جاءت صوره الشعرية منوّعة وعميقة، حية تنبض بالحياة. كان بدر مؤمناً بخلاص الإنسانية المعّذبة، وأثرت به تجربته السياسية والتزامه بالاشتراكية، لينتهي شاعراً متمرداً، حرّ التفكير، لم يتقيد بقصائده بالمفاهيم السائدة في صياغتها، وأصبح من قادة التجديد في الشعر الحديث في العالم العربي .كان يميل في تلك الفترة الى الشاعرة لميعة عباس عمارة، زميلته في دار المعلمين العالية. وقد نظم فيها عدداً من القصائد .
كان مفتوناً بلميعة ومتيماً بحبها، وما كان يقرؤه من قصائد في تلك اللقاءات، كان موجهاً لها، وكانت هي تعرف كيف تثير عواطفه حين ترمقه بنظراتها الساحرة، التي تخفي عشرات المعاني. كانت علاقة بدر بلميعة علاقة حب مفضوحة، بعيدة عن التكتم .
اما لميعة فكانت تجمع ذكاء الروح وجمال الجسد. طويلة القامة، نحيفة، ذات عينين جميلتين واسعتين سوداوين، وشعر فاحم. وبالرغم من أنها كانت ترتدي دائماً فستاناً أسود اللون، كانت تتألق نضارةً وحيويةً وشباباً. كانت نقيض بدر، فهي محدثة بارعة، ذات نكتة لاذعة. وعندما كانت تلقي قصيدة من قصائدها، فإنها تتكلم لغة الجسد، فتتغنج وتتمايل وتذوب مع الكلمات ومعانيها التي تصدر من بين شفتيها، فيرتفع صوتها تارة وينخفض تارة أخرى، فكانت تشرك كل حاسة من حواسها عند الإلقاء. جمعت بشخصيتها العذبة وأســـــــلوبها الجذاب في قراءة الشعر
سحراً كان يخيم على الحاضرين في تلك اللقاءات. كانت قصائد لميعة قصيرة ورقيقة في مضمونها، وكان الحب هو الموضوع الرئيسي لتلك القصائد .
اما نازك فكانت تختلف تماماً عن لميعة، لم تكن جميلة أو جذابة كلميعة، بل كانت قصيرة القامة، مملوءة الجسد، بسيطة المظهر، قليلة الكلام، وإن تكلمت فبصوت هادئ لا ترفعه إلا عندما تقرأ إحدى قصائدها. كان الحزن يغلب على محياها، وكانت نظرتها للحياة نظرة مأساوية، وانعكست تلك النظرة في قصائدها. ولكنها كانت واسعة الاطلاع، مرهفة الإحساس، ذات ثقافة أدبية عميقة، وهي تتقن اللغة الانكليزية والعربية واللاتينية والفرنسية .
حفظت حياة معظم شعر بدر ولميعة ونازك، وكانت تترنم بقصائدهم وهي لم تبلغ بعد سن الثانية عشرة .بالإضافة الى اللقاءات الشعرية والأدبية، ثمة لقاءات يؤمها خليط آخر من المثقفين والمفكرين اليساريين، كالشاعر كاظم السماوي وجاسم الرجب وأساتذة من مدرسة شماس ودار المعلمين الريفية .
كان عام 1948، عاماً مضطرباً، مملوءاً بالمآسي، وقد شمل الغليان معظم البلدان العربية، لخسارتهم فلسطين في حربهم مع اليهود. وكانت تلك الخسارة بعد ولادة دولة إسرائيل، بقرار من هيئة الأمم المتحدة، بمثابة كارثة على العرب، ولم يكن الفكر العربي متهيئاً لها يومذاك، وما زالت أصداؤها سارية بعد خمسين عاماً .
خرجت المظاهرات في شوارع بغداد، تطالب بسقوط الصهيونية، وشملت جميع المدارس في العاصمة، بما فيها المدارس المتوسطة والثانوية، ولكن لم يسمح للمدارس الابتدائية بالمشاركة فيها، وتألمت حياة عندما عدنا من المظاهرة المنظمة من قبل الحكومة نَقصّ عليها ما حدث، وتمنيت لو سُمح لمدرستها الابتدائية بالمشاركة أيضاً .
كان ذلك العام، عام 1948، من الأعوام الصاخبة التي مــرّت في تاريخ
العراق الحديث، فقد وُقّعت ( معاهدة بورتسموث )، من قبل السلطة، التي كان رئيس وزرائها صالح جبر، واعترضت الأحزاب المعارضة على تلك المعاهدة، واعتبرتها جائرة ومجحفة بحق العراق، وشجبتها .
انتقلت المقاومة لتلك المعاهدة الى الشارع. وبدأت المظاهرات التي تخللتها الخطابات الحماسية والقصائد الملتهبة والهتافات الرنانة، وتزايدت المقاومة يوماً بعد يوم، حتى أمرت الشرطة بفتح النار على المتظاهرين، فسقط خلالها عدد من القتلى قرب جسر ( مود ) عندما كان المتظاهرون متجهين نحو السفارة البريطانية، والتهب الوضع عندما علم أن من بين القتلى الذين سقطوا مضرجين بدمائهم جعفر الجواهري، شقيق الشاعر المشهور محمد مهدي الجواهري، فنظم في تأبينه قصيدته المشهورة التي ترددت كنشيد شعبي على فم كل عراقي ومن بينهم حياة، ومطلعها :

أتعلم أم أنت لا تعلم         بأن جراح الضحايا فمُ
تراجعت السلطة عندئذ عن إبرام المعاهدة، وسقطت حكومة صالح. وهدأ الشارع، وتحول الى لافتات يرفعها المشيّعون للضحايا الذين سقطوا برصاص السلطة .
وأطل عام 1949، وصادفت الذكرى الأولى للوثبة التي أسقطت معاهدة ( بورتسموث ) فأعلنت الأحكام العرفية، وبدأت حملة اعتقالات واسعة في العراق، لم يشهد لهل مثيلاً منذ حركة رشيد عالي الكيلاني. فحُلت الأحزاب وعطلت الصحف عن الصدور، واعتقل عدد كبير من مفكري وسياسي العراق، وكان والدي وعمي مرتضى ممن شملهم الاعتقال .
كنا نسكن في حي الكرادة الشرقية، في دارنا المطلة على نهر دجلة. عندما داهمت الشرطة دارنا ليلاً، وفتشت جميع الغرف، ونثرت الكتب وأوراق والدي، التي غطت أرض الغرفة، وصودر عدد كبير من كتبه وأوراقه، وشملت المصادرة حتى الصور التي التقطت لنا ولرفيقاتنا في المدرسة أثناء تشييع الذين سقطوا خـــــــلال المظاهرات. وانقلب عالمنا المشرق رأساً على عقب. وانطفأت جذوته وأصبح عالماً مثقلاً بالهموم، لا ندري ما يحمل في طياته من مفاجئات .
اختفى والدي وعمي مرتضى مع الكتب والأوراق التي صودرت، واعتقلا في معتقل (( أبو غريب )). كان المعتقل يزخر بالمفكرين اليساريين، من أمثال الشاعر بدر شاكر السياب والشاعر محمد مهدي الجواهري، مع رجال الأحزاب المعارضة ورؤسائها، وطلبة الكليات .
حزنا على والدي وعمي، وشعرنا بالفراغ الذي أحدثه اعتقالهما .
كانت والدتي تبعث لهما يومياً الطعام بـ (( زنبيل )) ــ وهي سلة مصنوعة من خوص النخيل ــ مغطى بمنديل أبيض، ويعاد الزنبيل بالمنديل الأبيض الذي يغطي ملابس والدي وعمي لغسلها، كانت والدتي تفتشها بحثاً عن قصاصات الورق التي تعطينا نزراً ضئيلاً عن حالتهما. وانطبعت حالة والدي وعمي في ذاكرة حـــــــياة وأبرزتها في روايتها (( وميض برق بعيد )) التي لم تنشر بعد :
((حدثتني عن فزعها عندما طرق الباب في الساعة الثانية ليلاً، وكان الجميع يغطون في نوم عميق، فاضطرت هي الى النهوض من سريرها وفتحه، متصورة أن أحد الجيران قد وقع له مكروه، وأتى يطلب مساعدتهم. غير أنها فوجئت بشرطيين يقفان أمامها ويسألناها عن أخــيها [ أحمد ] طالبين منها ان تناديه. ارتبكت ولم تعرف ماذا تفعل، وظلت جامدة في مكانها تتطلع إليهما بذهول حتى طلبا منها بصوت عال صارم أن تذهب وتستدعيه. أبقت الباب مفتوحاً ومشت وكأنها ترى كابوساً في نومها. دخلت غرفة [ أحمد ] وأيقظته بصوت مرتجف وأخبرته بوجود الشرطيين في الخارج. فزّ من فراشه في الحال وبقفزة واحدة أصبح عند خزانة الملابس وأخذ يرتدي ثيابه على عجل .   .   . أيقظت في تلك الأثناء جميع أفراد عائلتها ما عدا أمها التي استيقظت من تلقاء نفسها على أصوات الضوضاء والحركة غير الاعتيادية فيما حولها. تعالى عـــــويل أمه وأخواته وشهقاتهم، وبان الوجوم على وجوه
أخوانه. بقيت هند مع أبيها رابطة الجأش، وخرجا معاً الى الشارع، ووقفا يراقبان [ أحمد ]ٍٍٍٍٍٍٍٍٍ وهو يسير وسط الشرطيين، اللذين وضعا قيداً حديدياً في يديه، حتى توارى بعيداً مع معتقيليه وتحولوا الى أطياف تشق سكينة الليل بوقع أصوات أحذيتهم الثقيلة. كانت تلك الأصوات هي الدليل الوحيد على حقيقة وجودهم بعدما تحولت هيئاتهم الداكنة الى جزء من أثير ذلك الليل المظلم وتلاشوا في جوفه تماماً عندما انعطفوا الى جهة اليمين واختفوا من مجال الرؤية، خفتت أصوات أحذيتهم واندمجت في همهمات الليل المبهمة. بقيت هي وأبوها وحدهما في الشارع لا يصدقان ما حدث ويتصوراه جزءاً من غموض الظلام وأسراره المحيطة بهما، ثم دخلا البيت وأغلقا الباب وعّبر وجههما عن ألم أخرس عظيم )).2
 توقفت اللقاءات الأدبية الأسبوعية، وذلك لأن عدداً من الذين كانوا يلتقون في دارنا تعرضوا الى قسط من الاضطهاد. فقد أسقطت السلطة الجنسية العراقية عن حسين مروة وعائلته، كانت تلك ضربة قوية سددت لعائلتنا وشعرنا بالخسارة بإسقاط جنسية آل مروة، وكأن عضواً مهماً بُتر من جسد عائلتنا، إذ كنا عائلة واحدة، فإن غضبت العائلة على أحد أبنائها، كانت العائلة الأخرى تحتضنه .
كان الشاعر محمد مهدي الجواهري يتردد على دارنا بعد أن أطلق سراحه من المعتقل، وزارنا ذات ليلة، قرأ لنا قصيدة عن فتاة فرنسية اسمها (( أنيت )) كتبها على ورق لف السكائر الخفيف عندما كان معتقلاً في سجن أبو غريب. وللجواهري أسلوبه الخاص في قراءة الشعر، كان يعيد البيت الواحد ببطء مرتين قبل أن ينتقل الى البيت الثاني، وكانت حياة بدورها قد حفظت البيت فتعيده معه. وقد كتبت عن نفســــها تقول (( كنت أحفظ القصائد التي تلقى في الندوة بشغف وسرعة، ولذلك استطعت أن أتذكر بعض أشعار السياب التي لم تنشر، والقصائد التي غيّر عناوينها أو الحادثة والسنة التي نظمت بها )).3
أضطر والدي بعد أن خسر وظيفته، الى مشاركة أحد الأصدقاء في فتح مخزن، وكان نوع العمل شاقاً على والدي وهو غير معتاد عليه، واستغرق معظم وقته، كان مرهقاً جسدياً وفكرياً، يخرج من الصباح الباكر ولا يعود قبل العاشرة ليلاً. تغيرت أحاديثه عن الأدب والسياسة الى أحاديث غريبة عنه تماماً. كاكتشاف أسرار ترويب اللبن ونجاح تلك العملية التي تستغرق طول الليل، ليعرف في الصباح مدى نجاحها. بعد عام من العمل المتواصل المضني ترك المخزن، وخسر حتى الإكرامية التي حصل عليها بعد فصله من الوظيفة .
ولم تقتصر المعاناة على والدي وإنما شملت جميع أعضاء الأسرة بمن فيهم والدتي، التي لم تكن مقتنعة وراضية عن اتجاه والدي السياسي .
كانت والدتي جميلة الوجه، مربوعة القامة، تميل الى البدانة، بسيطة في نظرتها للأمور، متدينة، تقوم بفروض الصلاة والصوم، مستقيمة الأخلاق، مخلصة في أداء واجباتها العائلية لدرجة إنكار الذات، ربّت جميع أولادها على الصدق والتضحية وتحمل المسؤولية منذ نعومة أظافرها، ظلت تتكلم اللهجة اللبنانية، ولم تستطيع تعلم اللهجة العراقية طول حياتها. وبالرغم من الفجوة الفكرية العميقة بين والدي ووالدتي منذ زواجهما ومعارضتها للعمل السياسي الذي انخرط فيه أبي، فقد وجدت نفسها مضطرة في كثير من الأحيان لرهن مجوهراتها أو بيع قطعة أرض من الأراضي التي تملكها في لبنان، لكي تستطيع إعالة العائلة بالطريقة التي تعهدها .
أما عمي (( مرتضى )) فقد اشتغل محرراً ليلاً في احدى الصحف المحلية، ليتمم دراسته في كلية الحقوق صباحاً. كان لا يعود قبل منتصف الليل، مرهقاً منهكاً من عمله المتعب، ولم يعد ذلك العم المرح الذي يقضي جزءاً من وقته الثمين معنا بتوجيهنا والإشراف على تعليمنا وقراءة القصص لنا .
موضوعات الكتاب
الفهرس
الإهداء   ................................................................   3
صورة الفقيدة " حياة شرارة "   .......................................   5
المقدمة   ................................................................   7
سيرة حياة الفقيدة  "حياة شرارة " / بلقيس شرارة   ...............   10 
و " إذا الأيام أغسقت " فلا تنسوا " حياة شرارة "
شعر / محمود حمد   .................................................   74 
حياة شرارة سيرة حافلة بالعطاء الإبداعي والإنساني
جمال كريم   ..........................................................   77  
د.حياة شرارة في : نصوص مزدوجة في السيرة والسيرة الذاتية
نادية غازي   .........................................................   84
الغروب الأخير على شفق المدينة / شعر / فاروق سلوم   ........   93
بمناسبة مرور عشر سنوات على انتحار الكاتبة وأستاذة
الأدب الروسي في كلية اللغات ــ جامعة بغداد الدكتورة
حياة شرارة وابنتها مها / بلقيس شرارة   ...........................   97
فرادة في الإبداع وتعدّد في النوع / نبيل العطية   ................   101
من أشعل النار فيها / سميرة الوردي   ...........................   104
إذا الأيام أغسقت / قراءة معد فياض   ............................   106
إذا الأيام أغسقت وإذا الأحلام تبعثرت / تركي الحمد   ..........   114
إذا الأيام أغسقت / قراءة محمد الأحمد   .........................   120
إذا الأيام أغسقت : رواية هواء الخوف العراقي     
مراجعة للرواية / بلقيس شرارة   .................................   124
قالوا في حياة شرارة   .............................................   134
آل شرارة   .........................................................   137
الفهرس   ...........................................................   138